بن عيسى باطاهر

195

المقابلة في القرآن الكريم

فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [ الأنعام : 35 ] ، وقال لنبيّه نوح : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [ هود : 46 ] . وكما جعل القرآن العلم وسيلة الإيمان ، جعله شرطا في صحة القول والعمل ، فلا يعتبران إلّا به ، فهو مقدّم عليهما ، لأنّه مصحح للنية المصحّحة للعمل ، قال تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ محمد : 19 ] . قال البخاري : « بدأ بالعلم - أي حيث قال : فاعلم - وأنّ العلماء هم ورثة الأنبياء ورّثوا العلم ، من أخذه أخذ بحظ وافر » « 1 » . والنتيجة التي يمكن أن نصل إليها هي أن العلم والإيمان في القرآن الكريم طريقان إلى حقيقة واحدة ، ومن ثمّ وجب أن يتعاونا وأن نبني أحدهما على الآخر ، « فالعلم يدعو إلى الإيمان ، والإيمان يدعو إلى العلم ، ولا يوجد بينهما تنافر ، بل بينهما تضافر ، وإذا وهمنا وجود تنافر بين العلم والإيمان ، فليبحث الباحثون عن علته في أنفسهم ، وسوف يجدون العلة من زيغ أهوائهم ، أو من ضلال فكرهم ، وسوف يظل العلم الرشيد والإيمان الصحيح من بعد ذلك ، ومن قبله صديقين ، وخليلين مؤتلفين » « 2 » . ونمضي الآن مع سورة « التوبة » لنرى تناولها لقضية « العلم » و « الجهل » ولنقف عند آيتين من آياتها فيهما حديث عن هذه الثنائية ، ونبدأ بقوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [ التوبة : 6 ] . هذه الآية فيها مقابلة واضحة بين « العلم » و « الجهل » ، فالعلم متمثل في قوله تعالى : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة : 6 ] ، أي أنّ كلام اللّه يحمل العلم

--> ( 1 ) ابن حجر العسقلاني - فتح الباري بشرح صحيح البخاري - تحقيق عبد العزيز باز - ط دار الفكر : بيروت ، ج 1 - ص 159 - 160 . ( 2 ) عبد المجيد صبح - العلم والإيمان - ص 116 .